فخر الدين الرازي
527
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
كانوا يعلمون أن العلم خير من الجهل ، وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد ، إلا أنه قليلا ما تتذكرون في النوع المعين من الاعتقاد أنه علم أو جهل ، والنوع المعين من العمل أنه عمل / صالح أو فاسد ، فإن الحسد يعمي قلوبهم ، فيعتقدون في الجهل والتقليد أنه محض المعرفة ، وفي الحسد والحقد والكبر أنه محض الطاعة ، فهذا هو المراد من قوله قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ قرأ عاصم وحمزة والكسائي تَتَذَكَّرُونَ بالتاء على الخطاب ، أي قل لهم قليلا ما تتذكرون ، والباقون بالياء على الغيبة . ولما قرر الدليل الدال على إمكان وجود يوم القيامة ، أردفه بأن أخبر عن وقوعها ودخولها في الوجود فقال : إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ والمراد بأكثر الناس الكفار الذين ينكرون البعث والقيامة . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 60 إلى 63 ] وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ( 60 ) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 61 ) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 62 ) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 63 ) اعلم أنه تعالى لما بيّن أن القول بالقيامة حق وصدق ، وكان من المعلوم بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة اللّه تعالى ، لا جرم كان الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات ، ولما كان أشرف أنواع الطاعات الدعاء والتضرع ، لا جرم أمر اللّه تعالى به في هذه الآية فقال : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ واختلف الناس في المراد بقوله ادْعُونِي فقيل إنه الأمر بالدعاء ، وقيل إنه الأمر بالعبادة ، بدليل أنه قال بعده إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي ولولا أن الأمر بالدعاء أمر بمطلق العبادة لما بقي لقوله إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي معنى ، وأيضا الدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً [ النساء : 117 ] وأجيب عنه بأن الدعاء هو اعتراف بالعبودية والذلة والمسكنة ، فكأنه قيل إن تارك الدعاء إنما تركه لأجل أن يستكبر عن إظهار العبودية وأجيب عن قوله إن الدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن ، بأن ترك الظاهر لا يصار / إليه إلا بدليل منفصل ، فإن قيل كيف قال : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وقد يدعى كثيرا فلا يستجاب أجاب الكعبي عنه بأن قال : الدعاء إنما يصح على شرط ، ومن دعا كذلك استجيب له ، وذلك الشرط هو أن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة وحكمة ، ثم سأل نفسه فقال : فما هو أصلح يفعله بلا دعاء ، فما الفائدة في الدعاء ! وأجاب : عنه من وجهين الأول : أن فيه الفزع والانقطاع إلى اللّه والثاني : أن هذا أيضا وارد على الكل ، لأنه إن علم أنه يفعله فلا بدّ وأن يفعله ، فلا فائدة في الدعاء ، وإن علم أنه لا يفعله فإنه البتة لا يفعله ، فلا فائدة في الدعاء ، وكل ما يقولونه هاهنا فهو جوابنا ، هذا تمام ما ذكره ، وعندي فيه وجه آخر وهو أنه قال : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ فكل من دعا اللّه وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله وجاهه وأقاربه وأصدقائه وجده واجتهاده ، فهو في الحقيقة ما دعا اللّه إلا باللسان ، أما بالقلب فإنه معول في تحصيل ذلك المطلوب على غير